السيد محمد الصدر
146
منة المنان في الدفاع عن القرآن
إلّا على بعض التفاسير الشاذة . بأن يراد من الكوثر المصدر ، ويسند إلى الرجل تجوزا ، كما يقال : زيد عدل ، أي ذو عدل أو متصف بالعدل . فنحتاج إلى التقدير . وهذا هو الاشتباه الذي وقع به الرازي . والكوثر يمكن أن يكون بمعنى المصدر : وأن يكون بمعنى اسم المصدر . والفرق بينهما - كما أشرنا في درس الأصول - : إن المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ملحوظا متحركا ومستمرا . واسم المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ثابتا قائما بنفسه . فالخير الكثير يمكن أن يلحظ ثابتا مفهوما ، فيكون اسم مصدر ، ويمكن أن نتصور له معنى مستمرا ، فيكون مصدرا . وعلى ذلك ، فالكوثر هو الخير الكثير أو كثرة الخير ، وعليه تحمل سائر المعاني التي ذكرت للكوثر . حتى أنهاها بعضهم إلى ستة وعشرين معنى ، كما في الميزان « 1 » . وكلها مصاديق بالحمل الشائع منه . ومن هنا يتضح ما ذكره في الميزان ، حيث قال « 2 » : وقد اختلفت أقوالهم في نفس الكوثر اختلافا عجيبا . فقيل : هو الخير الكثير . وقيل : نهر في الجنة ، وقيل : حوض النبي صلّى اللّه عليه وآله في الجنة ، أو في المحشر ، وقيل : أولاده ، وقيل : أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة . وقيل : علماء أمته . وقيل : القرآن وفضائله كثيرة ، وقيل : النبوة . وقيل : تيسير القرآن وتخفيف الشرائع . وقيل : الإسلام . وقيل : التوحيد . وقيل : العلم والحكمة . وقيل : فضائله صلّى اللّه عليه وآله . وقيل : المقام المحمود . وقيل : هو نور قلبه صلّى اللّه عليه وآله ، إلى غير ذلك مما قيل . أقول : فكل ذلك مصاديق من الكوثر ، ولا تنافي بينها ، وكلها ليست كوثرا بالمفهوم أو بالحمل الأولى . بل هي منه بالحمل الشائع . ومعه يمكن القول بصدق الأقوال كلها من هذه الجهة ، مع وجود حصص أخرى للخير الكثير لم يلتفت إليها المفسرون .
--> ( 1 ) ج 20 ص 370 . ( 2 ) المصدر والصفحة .